• ×

07:39 مساءً , الأحد 9 ذو القعدة 1439 / 22 يوليو 2018

qassime

السّرقات الشّعريّة في النّقد الأدبي القديم

qassime

 0  0  354
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أصبحت قضيَّة السرقات الشعريَّة موضوع اهتمام الباحثين والنُّقاد العرب قديمًا وحديثًا، إذ لا يكاد يخلُو أيّ كتابٍ في النّقد الأدبي أو البلاغة من التطرّق إلى هذه القضيَّة. فقد عرّف ابن منظور مفهوم السّرقة لغةً في لسان العرب قائلًا: «سَرَقَ الشيء يسرِقه سَرَقا وسرِقا، والسّارق عند العرب من جاء مستترًا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له، فإن أخذ من ظاهر فهو مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس»(1).
ويعرّف ابن رَشيق (463هـ) السّرقات الشعريّة اصطلاحًا في كتابه العمدة قائلًا: "السّرقات الشّعريّة هي أن يعمد شاعر لاحق فيأخذ من شعر شاعر سابق بيتًا شعريًّا، أو شطر بيت، أو صورة فنيّة، أو حتّى معنى ما، ويكون في البديع المخترع الذي يختص به الشاعر، لا في المعاني المشتركة...واتّكال الشّاعر على السرق بلادة وعجز، وتركه معنى سبق إليه جهل والمختار أوسط الحالات"(2).
وربّما لم يهتم الجاحِظ (255هـ) بالسّرقات، لأنّه كان يرى أنّ الأفضليّة للشّكل الشّعري، وأنّ المعاني قدر مشترك بين النّاس: "والمعاني المطروحة في الطّريق، يعرفها العجميّ والعربيّ، والبدويّ والقرويّ وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتمييز اللفظ، وسهولته، وسهولة المخرج، وفي صحة الطبع، وجودة السبك"(3).
وكما يقول القاضي الجُرجَاني (392هـ) في كتابه الوساطة بين المتنبّي وخصومه: "والسّرق -أيّدك الله-داء قديم، وعيب عتيق، وما زال الشاعر يستعين بخاطر الآخر، ويستمد من قريحته، ويعتمد على معناه ولفظه "(4).
وفي حين يرى بعض الباحثين، فيها أمرًا مستهجنًا مُنكرًا يخالف الأمانة العلميَّة والأدبيّة، بينما يرى آخرون فيها شيئًا من لوازم الحياة الأدبيَّة، وضرورة من ضرورات تطوُّرها المطّرِد. ويضيف ابن رشِيق(463هـ) قائلًا: "لا يمكن أن يقرّر تاريخ بداية السّرقات، وإن كانت هذه الظّاهرة قديمة قدم الشّعر، فقد وجدت عند اليونانيّين، وإن كان المصطلح مأخوذ من سرقة المحسوسات إلا أنّه لمّا ظهر أن هناك ما يوازيه، بل وربما يزيد عليه قبحًا، وذلك بتأثيره الظاهر على المجتمع الإنساني، وسلب إبداع المبدعين، فإن لما تشع به أفكار المبدعين حرمة تتطلّب حفظًا، كما أن للأموال حرمة، ولا يكون هذا إلا عن طريق تتبّع هذه السّرقات، وإظهار ما خفي منها، وأما ما كان واضحًا جليًّا فإنّه أظهر من أن يبيّن. والسّرقة "باب متّسع جدًّا، لا يقدر أحد من الشّعراء أن يدّعي السّلامة منه" (5).


وأمّا ابن الأثير(637هـ)، في المثل السّائر، فيقرّر أنَّ الأصل المعتمد عليه في باب السّرقات هو "التّورية والاختفاء"، وهو يعارض من يرى بأنّ المعاني المبتكرة سبق إليها، ولم يبقَ معنى مبتدع وفي ذلك يقول: "والصّحيح أن باب الابتداع للمعاني مفتوح إلى يوم القيامة ومن الذي يحجز على الخواطر وهي قاذفة بما لا نهاية له؟".
وهو يشترك في أن المبتدع من يسبق في الفكرة لأول مرة. كما يقدر أنّ هناك معاني مشتركة، ظاهرة تتوارد الخواطر عليها من غير كلفة وتستوي على إيرادها. ومثل ذلك لا يطلق على الآخر فيه اسم السّرقة من الأول، وإنما يطلق اسم السّرقة في معنى مخصوص، وتكون الحكاية فيها مشهورة (6).
ويرى الباحث د. محمَّد مَندُور(1384هـ)، في كتابه "النّقد المنهجي عند العرب" أنّ بعض تلك الدراسات لعبت فيها الأهواء في حين تناولت كُتب منصِفة (كالوساطة) و(اليتيمة) المشكلة نفسها (7).
وكما يرى د. عبد العزيز عَتيق (1396هـ)، في كتابه "في النّقد الأدبي" فإن "لفظ السّرقة في الأدب لا يقف عند حدِّ الاعتداء على أدب الآخرين والأخذ منه، وإنَّما تتجاوز السّرقة ذلك إلى أمورٍ أخرى؛ كالتّضمين، والاقتباس، والمحاكاة، والتّحوير، وعكس المعنى، وما إلى ذلك"(8).
وقد شاع استعمال مصطلح السّرقات الأدبيّة في الشعر، نظراً لمكانة هذا الفن في الحياة الأدبيّة عند العرب، ويقول الباحث أحمد الشايب (1396هـ)، في كتابه "أصول النّقد الأدبي": "إنَ السّرقات الأدبيَّة مسألة طبيعيَّة قديمة في تاريخ الأدب العربي، وفي الشّعر منه بوجهٍ خاص، وُجِدت بين شعراء الجاهليّة وفطِن إليها النّقاد والشّعراء جميعًا، لمَّا لحظوا مظاهرها بين امرئ القيس وطرفة ابن العبد، وبين الأعشى والناّبغة الذبياني، وبين أوس بن حجر وزهير بن أبي سُلمى"(9).
وكما هو معروف فإن من أبرز قضايا السّرقات الشعريَّة في التّراث العربي، كانت قضيَّة سرقات "أبي تمَّام والبحتري" إذ أُلِّفت حولهما كتب عدَّة، وتعدّ الإرهاصات الأولى لدراسة السّرقات الشعريَّة، دراسة منهجيَّة.
إنَّ منهج تناول موضوع السّرقات الشعريّة في كتاب الموازنة للآمدي قد شكّل خطوة نقديّة مهمّة في تاريخ النّقد العربي، أدّى فيه الجدل المثار بين أنصار "البحتري" تيار الثّبات، وأنصار "أبي تمّام" تيّار التّحول دور الباعث على تأليفه.

ويؤكد الآمدي في "الموازنة" أن السّرق لا يوجد في المعاني المشتركة، وإنما في المعاني المخترعة الخاصّة. أما الاشتراك في المعاني بين شاعرين متقاربين فأمر طبيعيّ "وغير منكر لشاعرين متناسبين من أهل بلد متقاربين أن يتفقا في كثير من المعاني، لا سيما ما تقدّم الناس فيه، وتردّد في الأشعار ذكره وجرى في الطّباع والاعتياد من الشّاعر وغير الشّاعر استعماله"(10).
وقد أشار الآمدي في كتابه إلى النماذج التي أخرجها من سرقات أبي تمّام، والتي وصلت إلى حوالي (120) بيتًا، وما أخرجه من سرقات البحتري والتي وصلت إلى حوالي (92)ّ بيتًا، فمن الأمثلة على ذلك، قول أبي تمام:
السّيفُ أصدَقُ إنبَاءً مِنَ الكُتِبِ فِي حدّهِ الحَدُّ بَينَ الجَدِّ واللّعِبِ
فقال الآمدي بأن البيت أخذه من قول الكميت الأكبر في قوله:
لا تُكثِرُوا فِيهِ اللُّجَاجَ فَإنَّهُ مَحَا السَّيفُ مَا قَالَ ابنُ دارَةَ أَجمَعَا
إنَّ المُطّلِعَ على القصيدةِ وأسلوبها وظروفها الحقيقيّة لن يذهب إلى ما ذهب إليه الآمدي - رحمه الله - فالبيت قاله أبو تمام بمناسبة أمر المُنجّمين للمعتصم بعدم القدوم على فتح عموريه؛ لأنّ فتحها يرتبط بموسم العنب والتين في تقديراتهم، فَفَتحها المعتصم في غير ذلك التّاريخ، فكذّب فتحُها بالسيف تخمين المنجمين في كتبهم. بالإضافة إلى ذلك، يلاحظ اختلاف الغرض في البيتين؛ فعند أبي تمام المدح، وعند الكميت الفخر بالقتل، وهو ما لا ينسجم!
وفي المثال الثاني:
قول البحتري وقد نسبها إليه أبو الضّياء:
مَا لشَيءٍ بَشَاشَةٌ بَعدَ شَيءٍ كَتَلَاقٍ مُوَاشِكٍ بَعدَ بَينِ.
وقال أبو تمام:
وَلَيسَتْ فَرْحَةُ الأَوبَاتِ إلَّا لِمَوقُوفٍ على تَرَحِ الوَدَاعِ
والملاحظ اختلاف الغرضين، فقصر أبو تمّام الفرح على مَن شجاهُ التّوديع، وأراد البحتري ليس شيء من المسّرة إذا جاء في أثر شيء ما كالتلاقي بعد التّفرّق. غير أن الآمدي اعتبر ذلك من سرقات البحتري (11).
وقد تجدّد الحديث عن السّرقات الأدبيّة، مع سطوع نجم "أبي الطيِّب المتنبِّي" بعد أن حاول أعداؤه تجريحه واتِّهامه بالسّرقات الشعريَة، إذ ألّف بعض الكتَّاب القدماء العديد من الكتب حول الموضوع؛ ويأتي على رأسهم "ابن وكيع" ( 12) في كتابه "الإبانة عن سرقات المتنبِّي لفظاً ومعنًى".

وتُقسّم السرقات الشعريَّة أنواعًا، وقد عرض ابن الأثير الجزري في المثل السّائر فصلًا في سرقات الشّعراء، وممّا جاء فيه: "واعلم أن علماء البيان قد تكلموا في السّرقات الشعرية فأكثروا وكنت ألفت فيه كتابا وقسمته ثلاثة أقسام‏:‏ نسخًا وسلخًا ومسخًا‏.‏ أما النّسخ فهو‏:‏ أخذ اللفظ والمعنى برمّته من غير زيادة عليه مأخوذًا ذلك من نسخ الكتاب‏.‏ أما السّلخ هو‏:‏ أخذ بعض المعنى مأخوذًا ذلك من سلخ الجلد الذي هو بعض الجسم المسلوخ، وأما المسخ فهو‏:‏ إحالة المعنى إلى ما دونه مأخوذًا ذلك من مسخ الآدميين قردة‏.‏ وههنا قسمان آخران أخللت بذكرهما في الكتاب الذي ألّفته فأحدهما أخذ المعنى مع الزيّادة عليه والآخر عكس المعنى إلى ضدّه وهذان القسمان ليسا بنسخ ولا سلخ ولا مسخ‏.‏ "(13).
ويُعد رجوع الأديب بصفة عامة إلى مختلف العلوم والنّهل منها، أمر طبيعي وضروري. هذا ما يؤكده ابن عبد ربّه: "من أراد أن يكون عالمًا، فليطلب علمًا واحدًا، ومن أراد أن يكون أديبًا فليتّسع في العلوم"(14).
ولكن شرط ألا يكون سرقةً ونهبًا واختلاسًا، وهذا ما نستنتجه من خلال تقسيم النّقاد العرب القدامى للسّرقات الأدبيّة إلى مباحة، ومذمومة، فالأولى تعد تناصًّا والثّانية سرقة. أما المعاني المشتركة العامّة فلا تعد سرقة. فما المقصود بذلك؟
المعاني العلمية المجردة هي معانٍ عامّة متقرّرة في نفوس الجميع، تتناقل بين الناس جميعًا، فلا مجال للسرقة الأدبيّة في المعنى العام؛ وهذا ما ذهب إليه الجاحظ في قوله: "نظرنا في الشّعر القديم والمحدث فوجدنا المعاني تقلب ويؤخذ بعضها من بعض"(15).
وأمّا بالنسبة إليّ، فأنا أعارض رأي الدكتور عبدالعزيز عتيق وبشدّة، وأرى أن المعاني والألفاظ في متناول الجميع، وليست حكرًا على أحدٍ كما قالا الجاحظ والآمدي سابقًا، ومن وجهة نظري هما أصحاب الرأي الصّائب، وكما أنّني لا أرى أنّ التّضمين والاقتباس يدخلان من ضمن باب السّرقات ما دامت العبارات معروفة وشائعة بين النّاس (أي يُعرَفون أصحابها)، وكذلك أتّفق مع رأي الأستاذ رشدي السّعيد حينما قال: " إنّ موضوع السّرقات الشّعرية أبعد مما تصوّره النّقاد العرب الأقدمون؛ فهذه الظاهرة تعكس صراع القديم الثّابت مع الحديث المتجدّد في إطار المحاكاة، واختلاف الرؤية للعالم. وفي جانبها الإجرائي، تعكس تحاور النصوص أو ما يسمى "التّناص"، ولا يمكن لأي إنتاج أدبي أن يحصل بعيدا عنه، مما يجعل منه مادة مفتوحة على مزيد من البحث..."(16).


إعداد الباحثة
ندى محمد النّبهان.

ماجستير اللسانيّات (لغة ونحو)
1439هـ - 2018م

جديد المقالات

qassime

الذكاء الاصطناعي

10-07-1439

qassime

شياطين الشعر بين الخيال والإبداع

08-07-1439

qassime

الناشئُ الأكبُر: الناقدُ..

08-06-1439

qassime

اسـتـقـلالـيـة الـنّـاقـد

08-06-1439

qassime

رهبة الاختبارات

07-19-1439

qassime

ظاهرة غياب الطالب تؤثر عليه..

07-19-1439

qassime

كيفية الصلاة

07-15-1439

qassime

القراطيس

05-14-1439

القوالب التكميلية للمقالات

التعليقات ( 0 )