• ×

07:37 مساءً , الأحد 9 ذو القعدة 1439 / 22 يوليو 2018

qassime

اسـتـقـلالـيـة الـنّـاقـد

qassime

 0  0  372
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لاشيء قد يميز الفرد بمقدار تميّزه برأيه وذاته , والذي يُعدّ ذروة سنام الاستقلالية له , فالآراء إن لم تكن شخصية فهي بالطبع – آراء مصنوعة – بناها شخص وتبنّاها مائة شخص , هذا ما يكون على النّطاق العام , فكيف بالنّاقد الذي يُعدّ مؤسّس الآراء التي يبنيها بشخصيته المستقلة والتي تُبرز ذاتيته في كل عبارة قد ينطقها ؟!
ما المقصد من استقلالية الناقد ؟
لنقف بداية عند مفهوم المصطلح ببعديه اللغوي والاصطلاحي , فقد ذُكر عن المعنى اللغوي لكلمة ( استقلّ ) : استقلّ الطائر في طيرانه بمعنى نهض وارتفع , فالاستقلال يأخذ معنى العلو والارتفاع . (1)
والمعنى المُتداول على ألسنتنا أن الاستقلال هو التفرّد بالذات , الارتفاع والعلو لا يبتعد عن التفرّد .
أما من حيث الاصطلاح فقد ورد في سياقات متعدّدة , اجتماعية وفردية وسياسية وغيرها الكثير , وسأذكر المعنى هنا مجردا من تلك السياقات : الاستقلال هو التخلص من أي تبعية أو مؤثرات خارجية مع اتخاذ قرارات أو القيام بأعمال نابعة من قناعاتك الداخلية ومبادئك محققا طموحاتك وأهدافك . (2)
بعد أن تخصّصت في النقد أصبحت قضية : الاستقلالية , تشغل مداركي البحثية , فكيف لي أن أكون ناقدة إن لم أكن مستقلة , ليس بالرأي فحسب , بل في أمور كثيرة , كأن أستقل بعلم مثلًا , فالاستقلالية ليست وليدة العصر ولا ابنة التطور الزمني , بل هي متأصّلة لدى كل عالم أضاء المصباح بعلمه .
ولعلّ ما يهمّني في هذا المقام هو الوقوف على بعض النقّاد الذين استقلوا وأدركوا معنى الاستقلالية بما قدّموه للنّقد من بدايات تُعزى لهم , فهم لم يُعلّقوا المصابيح دون أن يضيئوها , وهذا ما أودّ الإشارة إليه في هذا المقال .
محمد بن سلّام الجمحي ( ت 232 هـ ) من أول من نصّ على استقلال النقد الأدبي فأفرد النّاقد بدور خاص , حيث جعل لنقد الشعر والحكم عليه صناعة يتقنها أهل العلم بها , وذكر الصفات التي لا بدّ أن يتحلى بها الناقد ومنها : الذوق والاستعداد الفطري , الدربة والممارسة , العلم بالشعر وضوابطه , التسلّح بالثقافة . (3)
وقد اتخذ ابن سلّام في كتابه الذي عُدّ أساسه الجوهري من أسس التاريخ الأدبي الأحكام النقدية فيصلا للأدب وهذا ما اتضح في تبويب الكتاب , حيث بناه على فكرة الطبقات التي منها ظهر فكره النقدي , والقارئ لمقدّمة ( طبقات فحول الشعراء ) تتّضح له بجلاء الأفكار النقدية التي عرّض لها التي تعدّ أحد روافد النقد الأدبي التي مازالت تُذكر في كل مقال ومجال نقدي .
نقف بعد ابن سلّام عند " قدامة بن جعفر" (ت 276 هـ ) والذي بحق كان أحد أسباب ولوجي في الاستقلالية , عندما درست كتابه المعنون بـ ( نقد الشعر ) دراسة عميقة نقدية تحليلية رأيت أنه فتح لنا أبوابًا لم يسبقه لها أحد , فبداية السبق له هو استخدامه لمصطلح ( نقد ) لأول مرة والذي ظهر في عنوان كتابه , فمن سبقه تكلموا عن النقد بوصفه مفهومًا, لكن لم يرد لهم مصطلحًا بهذا النّص , وهذا ما جعله يُفرد للنقد كتابًا مختص كما ذكر في مقدمته : " ولما وجدت الأمر على ذلك , وتبينت أن الكلام في هذا الأمر – أي النقد – أخص بالشعر من سائر الأسباب الأخر , وأن الناس قد قصروا في وضع كتاب فيه رأيت أن أتكلم في ذلك بما يبلغه الوسع " . (4)
واستقل أيضًا بأنّ كتابه المذكور آنفًا , هو أول كتاب يُؤلّف في النقد ليس باستخدام المصطلح فحسب ؛ بل باستخدامه علمًا له قواعده وأصوله ومحكّاته التي لابدّ أن تُحكّم القصيدة بناءً عليها , ولعلّ جميع ما سبق يجعلنا نقف عند – فلسفته المنطقيّة – التي تبدو جليّة من تقسيمه للفهرس والتي أيضا استقلّ بها عن غيره ووظّفها في ميدان النقد , ولا يخفى علينا أيضًا أنّه ناقل الثقافة اليونانية لأدبنا العربي بما يخدم النقد الأدبي ويجعل منه علمًا مستقلًا .
حازم القرطاجنّي ( ت 684 هـ ) ومنهاجه الذي أناره للبلغاء له جهود تفرّد بها للنقد , كتابه المعنون له ( منهاج البلغاء وسراج الأدباء ) يُعدّ إضاءة سار عليها البلغاء والأدباء وطريق واضح احتوى ما كان غائب قبله , يُعدّ فريدًا في النّقد ومختلف كل الاختلاف من حيث مصادره وأفكاره ومنهجه عن كلّ الكتب النقديّة التي سبقته في تاريخ النقد العربي وتأثرت بالفكر اليوناني , وبخاصة الفكر الأرسطي . (5)
ممّا ذكر : تعريفه للشعر الذي ضمّنه عناصر لم تكن به من قبل فقال عنه : " الشعر كلام موزون مقفى من شأنه أن يحبّب إلى النّفس ما قصد تحبيبه إليها , ويكرّه إليها ما قصد تكريهه , لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه , بما يتضمّن من حسن تخييل له , ومحاكاة مستقلّة بنفسها أو متصورة بحسن هيأة تأليف الكلام , أو قوّة صدقه أو قوّة شهرته , أو بمجموع ذلك . وكل ذلك يتأكد بما يقترن به من إغراب , فإن الاستغراب والتعجب حركة للنفس إذا اقترنت بحركتها الخيالية قويَ انفعالها وتأثرها " . (6)
تعريفه للشعر لم يكن تقليدي , فقد اهتم بالوزن والقافية وهذا نهج من سبقه ولكنّه أضاف اهتمامه بالمتلقّي والخيال الحسن والغرابة الدافعة للتعجّب والتصوير المُبتَكر المُختَرع , وهذا ما نصّ عليه في إضاءته لتعريفه السابق ويرى أن الشعر إذا خلا من الغرابة وكان قبيح الصورة واضح الكذب " لا يسمى شعرًا وإن كان موزونًا مقفّى , إذ المقصود بالشعر معدوم منه " . (7)
حازم بفكره النقدي حاول بما أمامه من تراث نقدي عربي وترجمة لكتاب ( الشعر ) لأرسطو ومن المزاوجة بين هذين التراثَين حاول أن يرسم منهاجًا للبلغاء , وأن يوقد سراجًا للأدباء . (8)
نماذج علماء الاستقلال في الأدب العربي والنقد الأدبي تطول ويطول الحديث عنها وما تمّ ذكره آنفا على سبيل المثال لا الحصر , وما أردت توضيحه هنا هو أنّ الناقد المبدع هو الذي يجعل من آرائه العلمية علمًا مستقلًا يصنع له كيان الناقد الحقّ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


جوزاء بنت زيد المطيري
باحثة ماجستير اللغة العربية - مسار النقد

جديد المقالات

qassime

الذكاء الاصطناعي

10-07-1439

qassime

شياطين الشعر بين الخيال والإبداع

08-07-1439

qassime

الناشئُ الأكبُر: الناقدُ..

08-06-1439

qassime

السّرقات الشّعريّة في النّقد..

08-06-1439

qassime

رهبة الاختبارات

07-19-1439

qassime

ظاهرة غياب الطالب تؤثر عليه..

07-19-1439

qassime

كيفية الصلاة

07-15-1439

qassime

القراطيس

05-14-1439

القوالب التكميلية للمقالات

التعليقات ( 0 )