• ×

10:26 مساءً , الخميس 10 محرم 1440 / 20 سبتمبر 2018

qassime

الناشئُ الأكبُر: الناقدُ المنسيُّ

qassime

 0  0  628
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
دائمًا ما تركزُ الدراساتُ الأدبيَّة لمؤرخي الأدب العربي على النُّخبةِ من الشعراءِ والنقادِ وتهمل ما عداهم، حيث يرتبط كلُّ عصر من العصور بأسماء شعراء ونقاد معينين، وهناك الكثير من الشَّخصيات التي كان لها دورًا في النقد أو الشِّعر والتي هُضم حقها وغابت أو غُيبت عن المشهد النقدي ولم تلقَ ما تستحقه من احتفاء وتقدير رغم الدَّور الكبير الذي أدته هذه الشخصيات في زمنٍ ما، وهذا الإحجام عن دراسة هؤلاء النُّقاد أو الشّعراء الَّذين أسهموا في خدمةِ الأدب العربي لا يعطي صورةً كاملةً ودقيقةً لتاريخ هذا الأدب.
وفي هذا المقال محاولة متواضعة لتسليط الضوء على شخصيةٍ -من شخصيات القرن الثالث الهجري -التي أسهمت في إثراءِ النقد الأدبي، هو الناشئ الأكبر أو الكبير، عبدالله بن محمَّد، كنيته أبو العباس(1) المعروف بابن شِرْشِير، من أهل الأنبار أقام ببغداد مدة طويلة، ثمَّذهب إلى مصر وتوفي فيها،وهومن تيار المتكلمين، وعَلمٌ من أعلام المعتزلة، شاعرٌ وعالمٌ باللُّغةِ والنحو والعَروض(2) كان متبحرًا في عدةِ علوم من جملتها علم المنطق،وكان بقوة علم الكلام قد نَقضَ عِلل النحاة، وأدخل على قواعد العَروض شُبهًا ومثَّلها بغير أمثلة الخليل(3)
كان الناشئ على علاقة بأبرز أعلام عصره،ومنهم المبرد،الَّذي أخبر عن نحو الناشئ، ومكانته، وشِّعره؛ حيث قال:"لو خرج عِلم الناشئ إلى الناس لما تقدمه أحد" (4)، وكان على صلة كذلك بابن طيفور، والبحتري وأبرز أعلام عصره(5).
للناشئ الأكبر العديد من المؤلفات التي فُقدت؛منها كتاب في نقد الشعر الَّذي أشار إليه التوحيديُّ في البصائر والذخائر(6)، ولهُ كتب ينقض بها كُتاب المنطق يقول الخطيب البغداديُّ:" عُرف للناشئ كتب ينقض بها كتاب المنطق، إضافة إلى الكتاب الأوسط في المقالات الَّذي أشار إليه القاضي عبد الجبار،ويُعد من أكبر مؤلفات أبي العباس لم يترك كبيرة ولا صغيرة إلاَّوردَّ عليها في هذا الكتاب"(7)وغيرها من الكتب التي لم يصلْنا منها شيء.

شعر الناشئ الأكبر:
للناشئ الأكبر الكثير من القصائد، وعُرف بأنهُ من الشعراء المُكثرين، "وكان يقول في كلّ معنى قال فيه الشعراء"،(8) قال المرزباني: "وشعره كثير؛وهو مع كَثرته قليلُ الفائدة"(9) قال التوحيديُّ عن شعر الناشئ: "وله مذهبٌ حلو، وشعرٌ بديع، واحتفالٌ عجيب"(10)، وقد عدَّ ابن خلكان الناشئ من طبقة البحتريِّ وابن الروميِّ(11).
كتب في العديدِ من الأغراض، وله قصيدة من أربعة آلاف بيت من رويٍّ واحدٍ، وقافيةٍ واحدةٍ، في صنوف العلم، كان يحثُ على طلبِ العلم إذ يقول:
إذا كان دوني من بُليتُ بجهله أبيت لنفسي أن أقابلَ بالجهلِ(12)
وقال أبو العباس الناشئ يصف شعرهُ:
يتحير الشعراء إن سمعوا به في حُسن صنعته وفي تأليفه
فكأنه في قُربه من فَهمهم ونكولهم في العجز عن ترصيفهِ
شجرٌ بَدَا للعين حسنُ نباته وَنأى عن الأيدي جَنى مقطوفِه
فإذا قرنت أبيَّه بمُطيعه وقرنتهُ بعرِيبه وطريفه
ألفيت معناه يطابق لَفظَه والنظم منه جليُّهُ بلطيفهِ
هذبته فجعلتُه لك باقيًا ومنعت صرفَ الدهر عن تصرِيفه(13)

الناشئ الأكبر وجهوده في النَّقد:
يقول إحسان عباس: ما كنا نعلم أن للناشئ مشاركات في النقد لولا أن أبا حيان وصفه بالتفوق في هذا المضمار. خَص الناشئ الأكبر النقد بكتاب سماه التوحيديُّ(نقد الشعر)،ويسمي ابن رشيق كتاب الناشئ (تفضيل الشعر)(14)، أُعجب التوحيديُّ إعجابًا شديدًا بنقد الناشئ الأكبر إذ يقول: " وما أصبت أحدًا تكلم في نقدِ الشعر وترصيفِهِ أحسن مما أتى به الناشئ المتكلم وإن كلامه ليزيد على كلام قدامة،وغيره.(15)

من جهود الناشئ النَّقدية:
أولاً: تعريفه للشِّعر:" الشعرُ قيدُالكلام،وعقالُ الأدب، وسورُالبلاغة، ومحلُّالبراعة، ومجالُ الجنان، ومسرحُ البيان، وذريعةُ المتوسل، وذمامُ الغريب، وحرمةُ الأديب، وعصمةُ الهارب، وعذرُ الراهب، وفرحةُ المتمثل، وحاكمُ الإعراب، وشاهدُ الصواب".(16)
ثانيًا: تحديد موضوعات الشعر:
حدد الناشئ الأكبر موضوعات الشعر التي تحدث عنها التوحيدي في البصائر والذخَائر "أول الشِّعر إنمَّا يكون بُكاءً على دِمن أو تأسُّفًا على زمن، أو نزوعًا لفراقٍ، أو تلوعًا لاشتياقٍ، أو تطلُّعًا لتلاقٍ، أو إعذارًا إلى سفيهٍ، أو تغَمُّدًا لهَفوةٍ، أو تنصُّلًا من زلَّةٍ، أو تحضيضًا على أخذٍ بثأرٍ، أو تعديدًا للمكارمِ، أو تعظيمًا لشريقٍ مقاومٍ، أو عتابًا على مقارفةِ ذنبٍ، أو تعهدًا لمعاهدة أحباب، أو تحسُّرًا على مشاهدةِإطرابٍ، أو ضربًا لأمثالٍ سائرةٍ، أو قرعًا لقوارعَ غائرة، أو نَظمًا لحكمٍ بالغة، أو تزهيدًا في حقيرٍ عاجلٍ، أو ترغيبًا في جليلٍ آجلٍ، أو تَدوينًا لبارعِ أدبٍ" . (17)
وبعد ذكر الناشئ لهذه الموضوعات يقف عند كلِّ موضوع منها على حِدة كقوله في موضوع الغزل والنسيب: " ومخاطبة النساء تَحلو في الشعر، وتُعذبُ في القريض؛ لا سيَّما لغانيةٍ قد أطرَّ الفتاءُ شاربها، وزوى الإِباءُ حاجِبها، وأشطَّ الجمالُ قوامها، وأفردَ الحُسنُ تَمامها، وأَنجلَ الهوى عينيها، وأمرض الزهوُ جَفنيها، وأرابت الصَّبابة ألفاظها........ ". (18)ومثَّل على ذلك بأبياتٍ غزليةٍ رائعة:
فَديتُكِ لو أنهم يعقلون لردُّوا النواظر عن ناظريك
ألم يقرؤوا وَيحهم ما يرونَ من وحي قلبكِ في مقلتيك
وقد جعلوكِ رقيبًا علينا فمن ذا يكونُ رقيبًا عليكِ؟!(19)
ثالثًا: و من ضمن جهود الناشئ النَّقدية توضيح سِمات الشِّعر وبيان أسلوبه في الشِّعر: " الشعر ما كان سهل المطالع، فصل المقاطع، فحل المديح، جزل الافتخار، شجي النسيب، فكه الغزل، سائر المثل، سليم الزلل، عديم الخلل، رائع الهجاء، موجب المعذرة، قريب البيان، بعيدَ المعاني، نائي الأغوار، ضاحي القرار، نقي المستشف، قد هُريقَ فيه ماء الفصاحة، وأضاء له نور الزجاجة، فانهل في صادي الفهم، وأضاء في بهين من الرأي،لمتأمله ترقرق، ولمستشفه تألق، يروق المتوسم،ويسر المترسم،قد أبدت صدور مُتُونه، وزاهت في وجوه عيونه، وطابقت ألفاظه معانيه، وخالفت أجناسه مبانيه، فاطرد لمتصفحه،وأشبه الروض في وشى ألوانهِ، وتعمُّم أفنانه، وإشراق نواره،وأشبه الوشى في اتفاق رُقومه، واتساقِ رُسومه، وتستطير كفوفه، وتحبير فوفه, وحكى العقد في التئام فُصولهِ، وانتظام وصوله، وزديان ياقوت بدره، فلو اكتنف الإيجاز موارده ، وصقلت مَداوِس الدرابة مَناصله، وشحذت مدارس الأدب فَيَاصِله، جاء سليمًا من المعايب، مُهذَّبا من الأَدناس، مهديًا إلى الأسماع بهجته، وإلى العقول حِكمته".(20)
قال الناشئ : وقد قلت في الشِّعر قولاً جعلته مثلًا لقائليه، وأسلوبًا لسالكيهِ ونَظم في ذلك قصيدةً طويلةً منها:
الشّعرُ ما قومت زَيغ صدُورهِ وشددْتَ بالتهذيب أَسرَ مُتُونهِ
ورأَبتَ بالإطناب شَعبَ صدُوعِه وفتحتَ بالإيجاز غور عيُونِه
وجَمعت بين قريبه وبعيدِهِ ووصلتَ بين مجمِّه ومَعِينِه
وعقدت منه لكلِّ أمر يقتضي شبهًا به فقرَنته بقرِينهِ
فإذا بكيت به الديارَ وأهلها أَجرَيتَ للمحزون ماءَ شُئُونهِ
وإذا مدحت به جوادًا ماجدًا وقضيته بالشُّكر حق ديونه
أصفيته بنفيسه ورَصينه ومنحته بخطيره وثمينِه
فيكون جَزلًا في اتفاقِ صنُوفهِ ويكون سِهلًا في اتِّساق فُنونِه(21)

وخُلاصة القول: ومن خلال ما تقدم من نصوص تكشف أننا أمام ناقدٍ وشاعرٍ كانت له مكانته في الأدب العربي, وبالرغم من ذلك لم تتطرق أغلب كتب النقد للباحثين المعاصرين لهذا الناقد وكانت عبارة عن إشارات في ثنايا كتبهم رغم إشادة عالم سُمي بالجاحظ الثاني لهُ؛ وذَكر التوحيديُّ للناشئ في كتابه البصائر , والذخَائر العديد من القصائد ,والمقولات ,ويُعد الدكتور إحسان عباس من النقاد المعاصرين الَّذين التفتوا لجهود أبي العباس النقدية، وكذلك من المعاصرين الَّذين خصصوا الناشئ بكتاب منفرد هو الدكتور كريم الكعبي الَّذي تحدث فيه عن الناشئ ، وحياته ، وشعره المبثوث في الكتب، وما هذه المقالة إلا محاولة للتذكير بجهود الناشئ في تاريخ النقد الأدبي وحث الباحثين للكشفِ عن كنوز أبي العباس .


رحمة القرشيّ
ماجستير (الأدب والبلاغة) بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن

جديد المقالات

qassime

الذكاء الاصطناعي

10-07-1439

qassime

شياطين الشعر بين الخيال والإبداع

08-07-1439

qassime

اسـتـقـلالـيـة الـنّـاقـد

08-06-1439

qassime

السّرقات الشّعريّة في النّقد..

08-06-1439

qassime

رهبة الاختبارات

07-19-1439

qassime

ظاهرة غياب الطالب تؤثر عليه..

07-19-1439

qassime

كيفية الصلاة

07-15-1439

qassime

القراطيس

05-14-1439

القوالب التكميلية للمقالات

التعليقات ( 0 )