الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين .. وبعد :
فالناس فى رمضان أنواع وأصناف شتى فهم يختلفون اختلافاً كثيراً ، وعلى أى حال فهم فى الغالب إما مفرط ومضيع وإما مجتهد حريص .
ولعلى أذكر بعضاً من أحوالهم فى رمضان :
الحالة الأولى :
يسمع الناس بدخول رمضان فتستبشر نفسه وتسر وتفرح ، لماذا كل هذا الفرح؟! إنها لذة العبادة .. لذة المناجاة .. لذة الصيام .. إنه يدرك تماماً أن رمضان هو شهر القرآن ، لذا تراه يكثر من تلاوة القرآن دون ملل ويعلم أنه شهر التوبة والمغفرة فهو يقف مع نفسه ويحاسبها ويستغفر ويرجع ويتوب لا يتكبر لا يعجب بعمله لا يسوف ولا يؤجل يعلم أنه مقصر ومذنب .. وربما هناك خطايا وبلايا من المعاصى لم يحسب لها حسبان ، وهناك زلات وعثرات قد نسيها ولكن الله لم ينساها (...أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ...) (سورة المجادلة من الأية رقم :6)
وهناك معاصى قد تساهل فيها ووقعت منه على أنها من الصغائر ولكنها سجلت وكتبت فى كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.
قال تعالى :(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (سورة الكهف الآية :49)
نعم يحاسب نفسه وكلما سمع ناصحاً أو واعظاً يعظ ويذكر ، يعتقد بأنه هو المخاطب وهو المقصود لا يخرج نفسه عن الخطاب فهو دائم كثير المحاسبة والاستغفار ، وقدوته بذلك صلى الله عليه وسلم الذى يقول : ( يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب فى اليوم مائة مرة ) [ أخرجه مسلم ].
ويدرك تماماً أن رمضان هو شهر الإنفاق والبذل والصدقات لذا تراه ينفق مرة بعد مرة فى اليوم أكثر من مرة ، مرة لجمعية ومرة لإفطار صائم ، ومرات ومرات ينفق فى كل وقت وعند كل صلاة يستغل ماله بهذا البذل.
قال صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصدقة صدقة رمضان ) [ أخرجه الترمذى ]
إنها فرص وغنائم جاء فى الحديث الذى أخرجه أحمد والنسائى أن النبى صلى الله عليه وسلم يقول : ( من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً ) وهو يدرك تماماً كذلك بأنه شهر الصيام شهر الصلاة والتقرب إلى الله لذلك لا يدع صلاة التراويح والتهجد لا يدعها مهما كان السبب والشغل ، ويعلم ما جاء فى الحديث الذى رواه الترمذى وأبو داود : ( من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ) فهو يتأمل هذا الأجر المضاعف كيف يفوت ويفرط به ! ويتعجب هذا الإهمال عند بعض الناس ،،، الله أكبر إنها فرص ذهبية لا تعوض فلو كانت هذه الفرص من أمور الدنيا لسارع الكثير من الناس إليها وجاءوا من كل حدب وصوب سبحان الله ألهذه الدرجة يصل هذا الإفراط! شهر رمضان شهر القرآن شهر التوبة شهر تصفد فيه الشياطين وتفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النار شهر العتق من النيران شهر العمل والجد والاجتهاد .. شهر البطولات والتضحيات .. شهر فيه ليلة خير من ألف شهر .. لذا لا تراه إلا تالياً لكتاب الله ومنفقاً فى سبيل الله .. مصلياً قانتاً لله خاشعاً أدرك معنى الصيام ... صام لسانه عن الحرام .. صام نظره عن الحرام .. صامت جميع جوارحه عن الحرام.
هذه الحالة التى نراها هم أصحاب الصورة المشرقة الذين استغلوا كل مزية وخصلة من رمضان واستغلوا كل لحظة من أوقاتهم .
أولئك الذين من الله عليهم بالتوفيق والسداد ، واستعملهم فى طاعته ، نسأل الله لنا ولهم قبول العمل.
الحالة الأخرى :
هذه الحالة نراها كثيراً والله المستعان ، وهم يتفاوتون فى التضييع والتفريط من مقل أو مكثر..
1- منهم من يجد فى أول رمضان. تراه قارئاً للقرآن مصلياً ثم بعد أيام يقل هذا النشاط والحماس رويداً رويداً إلى أن يترك ويدع ما كان يفعله فى أول الشهر.
2- منهم أيها الأخوة من لا يستشعر شهر رمضان فهو لايدرك ولا يعرف إلا أنه لا يأكل ولا يشرب من آذان الفجر إلى غروب الشمس ، انتهى الأمر بعد ذلك لذا ترى حاله عجيبة وغريبة سهر فى الليل يقضيه فى مشاهدة المحرمات والتسكع فى الأسواق ، أو اللعب والقيل والقال إلى آذان الفجر ، ثم بعد ذلك نوم إلى الظهر قد يصلى أو لا يصلى ثم يواصل إلى العصر ومنهم من يستمر بالنوم إلى المغرب ثم يوقظ ليأكل ويشرب ويستفتح إفطاره بالمشاهدة والنظر إلى الحرام.
3- ومنهم أيها الأحبة حاله مؤسفة ومبكيه قد لا تعلمون عنهم ولكن أذكر لك بعضاً من حالهم يذهبون مع أهلهم إلى المسجد الحرام لأداء العمرة ويجلسون غالب شهر رمضان فالأب يكون غالب وقته فى المسجد الحرام والأم قد تكون كذلك.
ويبقى السؤال أين الأولاد؟ مصيرهم غير معلوم إلا أنهم فى الشقة وأنهم يحضرون للأب الإفطار عند الغروب عدا هذا لا يعرف عنهم شيئاً ، سأخبرك عن ما يفعلونه ويقضون به أوقاتهم سهر فى الليل تسكع فى الأسواق ، الابن يذهب وحده أو مع مجموعة من أقرانه. فهم يؤذون عباد الله يسيرون فى الأسواق وقد ضيقوا على المسلمين فى الطرقات يتحينون فرصة فى التعرف ومعاكسة الفتيات ، ويجلسون على هذه الحال إلى الفجر ولا داعى إلى أن أزيد على ما ذكرت بعد هذا الوضع الأليم.
أما إن سألت عن نهارهم فهو نوم يضيعون الصلاة وهم بجوار بيت الله ، وإن سألت عن أحوال البنات فما هن عن أحوال الأولاد ببعيد ولا داعي للاستطراد والتفصيل.
ويبقى السؤال من المسئول عن هؤلاء ؟!
هل هو الأب المفرط ؟! أو الأم المضيعة ؟!
السؤال يبحث عن جواب وأدع الجواب لك!!
هذه صورة لواقع أليم لفئة من شبابنا وفتياتنا ويحدث هذا فى شهر رمضان ، فى شهر العبادة ولا تتعجب أن قالوا لك أن الجرائم تكثر فى شهر رمضان أكثر من بقية الشهور والله المستعان.
قال صلى الله عليه وسلم : ( رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ، ورب قائم حظه من قيامه السهر ) [ أخرجه أحمد وابن ماجه ].
وأخيـراً:
يجب علينا أيها الأحبة أن نتقى الله في أنفسنا وفى أولادنا وأن نقبل الحق ونعمل به وأن نستغل هذا الشهر الكريم بالعمل والتقرب إلى الله .
أسأل الله العلى العظيم أن يهدى ضال المسلمين وأن يعفو عنا وعنهم ويغفر لنا ولهم وأسأله أن يتقبل منا صيامنا وقيامنا إنه ولى ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
كتبــه
نواف بن عبيد الرعوجى
المشرف العـام
على مركز علاقات الإنسان بالقصيم
alaqat323@hotmail.com
نرحب بكل اقتراح وكل نقد هادف
كن محرراً في جهة عملك .. في حيك ... في مشاهداتك اليومية
كما نستقبل أي موضوع أوشكوى قابلة للنشر .. يمكن التواصل على جوال الموقع