لماذا ياشيخ الكلباني كسر ت خشوع قلوبنا لصوتك . 1 / 3 .
قد يعاتبني البعض على تعليق الخشوع بالصوت ، ويقول الخشوع للقرآن وليس للصوت فإني أقول الصوت يخرج معاني القرآن وحسن الترتيل يساعد على تدبر السامع ولقد كان قلبي سابقا يخشع لصوتك ياشيخ الكلباني ولو من بعيد .
أما الآن فلا أعتقد أن القلب سيستجيب لصوت من خالف قول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
فلما ذا هكذا ياشيخ ، بعد أن قضيت سيرة عطرة ستنهي مسيرتك بهذه الفتوى التي أحدثت بلبلة على مستوى الخاصة والعامة . وحيرت قلوب الجاهلين أما العارفين فأنهم سيتعون سنة رسو ل الله صلى الله عليه وسلم .
لم أكن أصدق الفتوى لأني اعتقدت أن فهم الناس كان خاطئا لأن العلماء عندما يطلقون كلمة غناء فالمقصود بها الأناشيد ، مثل قول ابن رجب قال : وقد حكى أبو بكر الآجري وغيره إجماع العلماء على ذلك ـ أي تحريم الغناء ـ والمراد بالغناء المحرم ما كان من الشعر الرقيق الذي فيه تشبيب بالنساء ونحوه مما توصف فيه محاسن من تهيج الطباع بسماع وصف محاسنه فهذا هو الغناء المنهي عنه
فهذا الشعر إذا لحن وأخرج بتلحينه على وجه يزعج القلوب ويخرجها عن الاعتدال ويحرك الهوى الكامن المجبول في طباع البشر فهو الغناء المنهي عنه فإن أنشد هذا الشعر على غير وجه التلحين فإن كان محركا للهوى بنفسه فهو محرم أيضا لتحريكه الهوى وإن لم يسم غناء فأما ما لم يكن فيه شيء من ذلك فإنه ليس بمحرم وإن سمي غناء ـأ . هـ نزهة الأسماع في مسألة السماع ، المؤلف : عبد الرحمن بن رجب الحنبلي ، ص : 24 .
وقال النووي : واختلف العلماء في الغناء فأباحه جماعة من أهل الحجاز وهي رواية عن مالك ، وحرمه أبو حنيفة وأهل العراق ، ومذهب الشافعي كراهته وهو المشهور من مذهب مالك ، واحتج المجوزون بهذا الحديث وأجاب الآخرون بأن هذا الغناء إنما كان في الشجاعة والقتل والحذق في القتال ونحو ذلك ، مما لا مفسدة فيه ، بخلاف الغناء المشتمل على ما يهيج النفوس على الشر ، ويحملها على البطالة والقبيح قال القاضي : إنما كان غناؤهما بما هو من أشعار الحرب والمفاخرة بالشجاعة والظهور والغلبة ، وهذا لا يهيج الجواري على شر ولا إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه ، وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد ، ولهذا قالت : وليستا بمغنيتين أي ليستا ممن يتغنى بعادة المغنيات من التشويق والهوى والتعريض بالفواحش والتشبيب بأهل الجمال وما يحرك النفوس ويبعث الهوى والغزل أ . هـ شرح النووي ، 3/ 287 .
فالمقصود الأناشيد والأشعار الملحنة .
وقد يراد به الأمران ، الصوت الحسن وآلات اللهو المعازف . وقال السفاريني: الغناء إنما هو عبارة عن الأصوات الحسنة والنغمات المطربة يصدر عنها كلام موزون مفهوم .
فالوصف الأعم فيه إنما هو الصوت الحسن والنغمة الطيبة ، وهو مقسوم إلى قسمين : مفهوم كالأشعار .
وغير مفهوم كأصوات الجمادات وهي المزامير كالشبابة والأوتار ، والثاني لا شك في حرمته على المذهب المعتمد ، والأول لا تظهر حرمته لأنه صوت طيب بشعر موزون مفهوم ، وقد صحت الأخبار وتواترت الآثار ، بإنشاد الأشعار ، بين يدي النبي المختار صلى الله عليه وسلم ما تعاقب الليل والنهار ، والله الموفق . غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب ، ص : 239 .
، فليس المفهوم منه غناء هذا العصر الذي يثير الغريزة فالعلماء يسمون الأناشيد والأشعار إذا تغني بها يسمونها غناء . اما المعازف قد اتفق علماء الأئمة على تحريمها
لذا لم أصدق هذه الفتوى . واعتقدت أن هناك لبس فهم كلمة الغناء ، ولكن صعقت عندما قرأت الفتوى وكانت الصاعقة الكبرى والأعظم عندما وصلت إلى قولك : فعلى هذا فإن الذي أدين الله تعالى به ، هو أن الغناء حلال كله ، حتى مع المعازف ، ولا دليل يحرمه من كتاب الله ولا من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم
ثم قرأت ردك على أحد المشايخ بقولك : فقد علموني أن أرمي بكل قول عرض الحائط إن خالف قول الله تعالى أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، كما أخذت عنهم عرض الأقوال على الكتاب والسنة، فما وافقهما أو أحدهما أخذت به، وما خالفهما أو أحدهما تركته
أقول ياشيخ عادل لقد علمت فلم تطبق .
أينك من قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6)لقمان .
فهل أنت أعلم من ابن مسعود الذي أقسم بأنه الغناء . وانظر إلى أنه أقسم بالغناء أي ليس المعازف لأن المعازف لها حرمة أعظم كما سياتي . فهل نقدم قولك على قول هؤلاء الصحابة الذين هم خير القرون .
وأبنك من قوله صلى الله عليه وسلم لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ ، وَالْحَرِيرَ ، وَالْخَمْرَ ، وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ ، فَيَقُولُونَ ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا ، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً ، وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) صحيح البخاري .
فلماذا لا ينكسر خشوع قلوبنا لفتوى بدأت بتسمية الغناء الصوت الحسن . لقد قلت في بداية فتواك فالصوت الحسن مراد السمع ، ومرتع النفس ، وربيع القلب ، ومجال الهوى ، ومسلاة الكئيب، وأنس الوحيد ، وزاد الراكب ؛ لعظم موقع الصوت الحسن من القلب ، وأخذه بمجامع النفس .
فهل سمى الشرع الغناء صوتا حسنا . بل إنه صوت الشيطان : قال تعالى وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ (64) الأسراء
وهل الغناء ربيع القلب كما قلت ويقول عنه ابن الجوزي في تلبيس أبليس : أنه يلهي القلب عن التفكر في عظمة الله سبحانه والقيام بخدمته
وقلت أنه مجال للهوى ثم قلت : ولعل قيام الإنسان بمهمته في هذه الحياة ما كانت لتتم على الوجه الذي لأجله خلقه الله إلا إذا كان ذا عاطفة غريزية توجهه نحو المشتهيات والمتع التي خلقه الله معه في الحياة فيأخذ منها القدر الذي يحتاجه وينفعه .
فهل الإنسان إذا تبع هواه وغريزته يقوم بمهمة الخلافة ، بل أن من أعظم العوائق لإقامة الخلافة الصحيحة هي ابتاع الهوى ووصفه بأضل الناس فقال تعالى (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ (51)القصص
بل حذر من مصاحبته وطاعته فقال تعالى( وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) الكهف ، وهو من أسباب الغفلة .
ولماذا لا ينكسر خشوع قلوبنا لرجل استشهد بأقوال الأطباء والحكماء التي تعارض النص الصريح للقرآن فقلت : وقد ذكر الأطباء منذ القدم أن الصوت الحسن يجري في الجسم مجرى الدم في العروق فيصفو له الدم وتنمو له النفس ويرتاح له القلب وتهتز له الجوارح , وتحن إلى حسن الصوت الطيور والبهائم
وذكر الحكماء قديما أن النفس إذا حزنت خمدت نارها فإذا سمعت ما يطربها ويسرها اشتعل منها ما خمدت .
نعم أنها تشتعل فما نوع اشتعالها إن صوت الشيطان هو الذي يشعلها كما في الآية السابقة التي ذكر فيها صوت الشيطان وقال العلماء أنه الغناء
ولماذا لا ينكسر خشوع قلوبنا لرجل ذكر يحاول أن يذكر الأدلة للتحليل وهي تدل على التحريم فقلت : ولهذا بوب البخاري رحمه الله تعالى : باب سنة العيدين لأهل الإسلام . ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها . أعني حديث الجاريتين وغنائهما بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي بيته .
والحديث أذكره بتمامه : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ ، قَالَتْ : وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا ) صحيح البخاري ومسلم .
كيف ياشيخ تغافلت عن هذه الأحكام .
أقر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا النوع من الغناء لأنه يوم عيد فهذا دليل على أن هذا النوع من الغناء جائز في يوم العيد .وقد صرح بذلك العلماء.
ثم أنظر إلى نوع هذا الغناء : أولا : كان أناشيد في يوم بعاث / ثم كان من جاريتين ، وليستا بمغنيتين فهذه الحادثة تين لنا شروط الغناء الجائز وهو الأناشيد الملحنة . التي تخلو من الفحش وإثارة الغرائز .
وهل يوجد في عصرنا غناء تنطبق عليه هذه الشروط .
وكيف لا ينكسر خشوع قلوبنا ، وأنت تخرج بحكم جديد ولحكم استقرت الأمة على تحريمه قرونا من الزمان ونسيت أو تناسيت الأدلة التي استدلوا بها فقلت : فلو كان تحريم الغناء واضحا جليا لما احتاج المحرمون إلى حشد النصوص من هنا وهناك
فكل أمر كان فيه لبس على الأمة يحتاج إلى التأصيل ، فكيف تسمي التاصيل الشرعي حشد نصوص
الم تسال نفسك يا شيخ أن من أين أتوا بالنصوص هل ألفوها من عقولهم
أنهم لم يخرجوا عن كتاب الله وسنة ورسوله فالأمر لا يحتاج إلى الخروج عنهما من هنا وهناك . بل من الكتاب والسنة وهناك منها الصحيح وأقوال الصحابة فيها . منهم ابن مسعود ، فهل نقدم قولك على قول هؤلاء الصحابة الذين هم خير القرون .
لم يحلل أحد من العلماء الغناء إلا ابن حزم وتبعه الشوكاني وعلل العلماء سبب ذلك أن لم يقف على الرواية الصحيحة التي في صحيح البخاري فضعف الحديث . ومن انساق حول هذا الرأي يجهل السبب . وقد بين العلماء الأفاضل مواطن الخلل وقاموا بالرد عليهما .
لما ذا لا ينكسر خشوع قلوبنا وقد أنقصت من قدرك في هذه الفتوى أمام العامة والخاصة والله حتى الفساق الذين يرقصون على المعازف ، يعلمون أنها محرمة ولن يستجيبوا لندائك الباطل . لأن النفس جبلت على معرفة الحق .
نقول : ولما ذا لا ينكسر خشوع قلوبنا وقد رأينا في فتواك مصداق إخباره صلى الله عليه وسلم يإتين أقوام من أمته يستحلون المعازف . وهانحن نراها في فتواك . فهل ترضى أن تكون من هؤلاء المستحلين وياليتك منهم فقط بل من دعاة الاستحلال وستضل أمة كاملة .
وللحديث بقية .
د . فاطمة صالح الجارد .المشرفة العامة على مؤسسة ملتقى الرؤى وموقع ملتقى المتدربات
نرحب بكل اقتراح وكل نقد هادف
كن محرراً في جهة عملك .. في حيك ... في مشاهداتك اليومية
كما نستقبل أي موضوع أوشكوى قابلة للنشر .. يمكن التواصل على جوال الموقع