دائماً في نقاشاتنا الثقافية نطلق عبارة " حقيقة " أو " في الحقيقة " وغيرها من العبارات التي تدور في نفس فلكها, والسؤال هل هناك حقيقة مجردة لا يشوبها شائبة ( لا يدخل في هذا القرآن وصحيح السنة ) أم أن هذه الحقيقة معنى نسبي عقلي ليس له وجود والناس كلما اقتربوا من هذا المعنى زادت نسبة الحقيقة في كلامهم.
ثم ندخل في إشكال التصور الشخصي للأشياء والحقائق والأفكار" الرؤية " عندما أنظر إلى منظر وتنظر إليه هل تتساوى نظرتانا أم أن كل واحد منا له نظرته, بل إن نفس الشخص عندما يتعرف للآخر تختلف نظرته الأولى والشعور المصاحب لها عن نظرته بعد صداقة سنة والشعور المصاحب لها ذلك لأن التصور يتأثر بالخبرات السابقة وسعة المعرفة.
إذا كان ذلك كذلك فما هو تصورنا عن الحرية هل أنا وأنت وذاك نتصورها بشكل متطابق وهل من عرفوا الحرية ونظروا لها تطابقت مفاهيمهم عنها, في إعلان حقوق الإنسان الفرنسي الصادر سنة 1879م عرفت الحرية بأنها: قدرة الإنسان على إتيان عمل لا يضر الآخرين. وعرفها " لوك "بأنها: الحق في فعل شيء تسمح به القوانين. وعرفها أهل القانون بأنها: الملكة الخاصة التي تميز الإنسان من حيث هو موجود وعاقل يصدر في أفعاله عن إرادته هو لاعن أي إرادة أخرى غريبة عنه.
وفي الاصطلاح الشرعي: ما يميز الإنسان عن عيره ويتمكن بها من ممارسة أفعاله وأقواله وتصرفاته بإرادة واختيار من غير قسر ولا إكراه لكن ضمن حدود معينة. " وتتميز الشريعة الإسلامية عن غيرها بأن فيها ضابطان للحرية الأول ضابط داخلي يسيطر على النفس ويخضعها لحكم العقل والضمير والآخر ضابط خارجي ينظمه القانون, والباعث له ضعف القيود النفسية الداخلية, فهو حماية للحرية لا قيد لها " د/ وهبة الزحيلي ( بتصرف )
مزلة الأقدام في مسألة الحرية تكمن في مدى الإطلاق والتقييد للحرية عند المتعاطين لها بمعنى أننا إذا قلنا مثلاً نريد حرية اقتصادية أو لندع اقتصاد السوق يتشكل بدون ضوابط ساد فيه الاحتكار والربا وغيرها من المهالك وقس على ذلك الحرية في اختيار النظام السياسي والحرية الاجتماعية.
يوجد منطقة واسعة في الحرية لا تتناقض وروح الإسلام هي منطقة " المباح " ألا يمكن أن يجتمع كثير من المواطنين ذوي الاتجاهات المختلفة في مساحة المباح خاصة في زمن الاستضعاف الذي نعيشه فالشعوب كلها تتطور شرقيها وغربيها إلا الجزء العربي من العالم الشرقي لم يتغير بقي مكانه يراوح لدينا مفاهيم سلبية وإيجابية نحن متشابهون ومتفقون فيها وأخرى إيجابية وسلبية نحن نختلف عليها والمشكلة أننا لا نرى إلا سلبيات بعضنا علماً بأن مساحة الاختلاف ضئيلة مقارنة بمساحة الاتفاق بيننا.
لماذا نتخوف من الحرية كمصطلح لماذا نحمل في ذواتنا وصاية على المجتمع نخشى على مكتسباتنا حتى دمرناها كالذي يخشى على ابنه من كل شيء حتى أصبح ابنه لا يفهم شيء إننا كمجتمع نحمل من الخير الكثير إن تركيبتنا الاجتماعية والثقافية تحمل في داخلها أسباب بقائها من مضادات ومرشحات فلا نحتاج إلا شيء من الترتيب والتدرج والمراقبة النقدية البناءة وسوف نجد هذه التركيبة بنفسها تفرز الخير من الشر فتأخذ هذا وتترك ذاك إنه العراك والتدافع ولا يبقى ألا ما ينفع الناس.
بالنهاية هل الحرية بوابة التمكين فلا نتمكن ونرتفع ونقود إلا إذا تحررنا ؟ هل التاريخ سجل لمرة واحدة أن أناساً انتصروا وتمكنوا وهم مكبلون ؟ إن للحرية ضريبة لم ندفعها كشعوب عربية حتى الآن ما هي أتساءل ؟؟!!
نرحب بكل اقتراح وكل نقد هادف
كن محرراً في جهة عملك .. في حيك ... في مشاهداتك اليومية
كما نستقبل أي موضوع أوشكوى قابلة للنشر .. يمكن التواصل على جوال الموقع