• ×

09:12 صباحًا , الأحد 14 جمادي الأول 1440 / 20 يناير 2019

فن هندسةِ العقول المعلمون بناة الأجيال

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 ربما تتلاقى نقطة شبه ما بين مهمة المعلم ومهمة بائع الخضار ، فالمعلم دائما ما يحاول أن يُبقي على عقول تلاميذه مهيأة لاستقبال المعلومة بشكل سليم ومحورتها في اتجاه يخدم صالحهم التعليمي والتربوي وبائع الخضار دائما ما يحرص على تقديم خضاره يانعة وطازجة وعرضها بشكل جميل وأنيق ليلفت نظر المستهلك لشرائها ، وكثيرا ما نراه يعمل جاهدا لجلب الزبائن إلى بسطته كي ينفق ما لديه من خضار ويعود في نهاية اليوم وفي جيبه ثمن محصوله فيدخل السرور إلى بيته وأسرته ، وهنا تتقدم القيمة المادية على القيمة المعنوية فلولا القيمة المادية ما تعجلت القيمة المعنوية إلى إبراز ذاتها وجعلت من البائع فلتر شبه يومي ينقي به ما بدر من أخطاء وعراقيل تعيق سبيل بيع المحصول وتلافيها في سبيل صالحه وصالح أسرته وقوت يومهم ، فهذا التشبيه ليس لإبراز نكتة أو فكاهة نستثمر بضع ضحكات من ورائها ، ولا للتقليل من شأن بائعي الخضار فكل يسعى في مداره الذي خصصه له خالقه ، فالجدية هي في ان نقتنع بان وجه الشبه هذا بين المعلم وبين بائع الخضار هو مسار حياة ، ويلتقيا في استمرارية العطاء وبذل الجهد والعناء وأيضا الالتزام في قدسية العمل لكل منهما ، ولكن ما هو أثمن من ذلك هو خلاف في وجه الشبه هذا من جهة ربما تكون أكثر منطقية لكل منهما ألا وهي قبض الثمن وأي ثمن ؟ جهده لن يتوزع إلى أفواه أبنائه ليملأ بطونهم ولكن أبعد من ذ لك يكون المعلم ملزما لزرع أكثر وأكثر مما سيحصد ماديا وبكل تأكيد سيكون حصاده أندى من كل هذا لأنه وحده الذي
يلتزم باستمرارية العطاء وعناء الممارسة اليومية لعملية التربية والحفاظ على سلامة الأجيال وعلى عقولها يانعة لأنها مصدر خصب وتجديد وحامل رسالة سامية ,بما يزرعه من بذور سليمة في تربة الروح الكريمة لتتزكى هذه الأخيرة وتخرج رطبا شهيا ونافعا ، فالمعلم هو من يرتقي بالتعليم إلى اعلي القمم بعلمه وسعة صدره وخصوبة أفكاره وحسن خلقه وتهذيب مساره ليدفع بالعملية التربوية والتعليمية إلى مصاف التقدم والازدهار من خلال الكتابة على جدران تلك العقول كلمات وأفكار تهندس ذواتهم وتُنضج عقولهم وليدفعوا بعجلة البناء الاجتماعي ورسم طريق الأمة السليم وغدها المشرق ومن منطلق التباين بين طرح الفكرة واستثمار الموضوع دونت بريشتي الدامعة صورة ربما تعجبني أكثر بكثير مما آلت إليه العملية التربوية والتعليمية في أيامنا هذه من استهلاك للمقدرات الفردية وثنيها بالطريق الغير سوي وجرها إلى دفن معالم الإبداع والخلق الجميل ، فتطوير الذات تأتي من خلال التمكن والتفرد في الامكانات والمعرفة الحرة والتجربة الشخصية والخبرة اليومية ، كلها هذه بواعث محفزة لدفع وتيرة العملية التربوية أولا والتعليمية ثانيا إلى الأمام ، فما أحوجنا إليك أيها المعلم المثقف وأنت تثري المنهج الدراسي فوق ما هو مكتوب به لتصقل بأفكارك العقول وتريح النفوس وتقر العيون ،وما أجمله من وطن يحتضن هذه الغراس النضرة والتي شبّت وتربت على حب المعرفة والاطلاع وليس على حب الاكتفاء والمحدودية ،فلا تقلص أيها المعلم عطاءك واعلم بأنك مسؤول إمام الله وأمام المجتمع وأمام نفسك ، أنت يا من تغرس في النفوس من المؤهلات والصفات التي تجعل منهم جيلا قادرا على تحمل المسؤولية ، فالعجلة متوقفة على دفعٍ منظم منك لتسير إلى الأمام ، ومكامن الطاقة ستتفجر لدى التلاميذ بشرارة ذكاءك وحرصك الدائم على تزكيتهم بما هو مفيد كونك المدرسة الثانية التي لن نستطيع أن نفيها حقها علينا، وكونك المهندس الأول والأخير لهذه اللبنات اللينة والغراس الغضة في هذا المجتمع الجميل ..

غادة قويدر
 0  0  182
التعليقات ( 0 )