• ×

04:43 صباحًا , الثلاثاء 20 ذو القعدة 1440 / 23 يوليو 2019

الفوضى في الأدب والبحث عن الإشباع الروحي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 إن من نتائج القومية العربية التمازج بين الثقافات الدخيلة والثقافة العربية وكانت اللغة هي المتأثر الأكثر في هذا التمازج ويليها الأدب من زمن فتح بلاد فارس وما تركته هذه الفتوحات من انعكاسات على الأدب العربي وعلى كافة أمور الحياة في الحضارة العربية وقد تواجد العديد من المنافسين للأدباء العرب لاسيما في الشعر العربي ومثال ذلك تواجد الشعراء من بني فارس ممن يتقنون العربية والشعر العربي أكثر من الشعراء نفسهم في عهد بني أمية وهم من القومية الفارسية أصلا ولكنهم عرفوا العربية وأتقنوها بعد اعتناقهم الإسلام واحتكاكهم بالحضارة العربية في كافة مجالاتها من ثقافة وتجارة ومهن ونسب وأكثر ما ظهر هذا في الجزيرة العربية . وبالرغم من مرور اللغة العربية بأدوار متعددة وخضوعها للاستعمار كما الأرض والبشر تماما نراها كافحت وناضلت وعلى لسان متحدثيها ومحبيها لإثبات كينونتها وتواجدها على مر العصور إلى وقتنا الحاضر فاللغة ليس اللسان الذي يلج بها فقط بل هي القلب الذي يتبناها بكل خفقة وتتغزل بها المشاعر وتطرب لها الأسماع ولذلك كانت هي المضرب الحساس والسوط الذي يحمله أي محتل لتفرقة الأمة وبسط سيطرته . ولو لم تكن اللغة العربية هي لغة الحق والجاذب الروحي والعقائدي للعرب لما صمدت أمام التحديات الكبيرة التي تواجهها ويواجهها الإنسان العربي في كل زمان ومكان .فالأمة العربية ليست عربية اللسان فقط بل عربية الشعور والروح ، والعربي لا يكاد ينفصل عن المكان الذي يولد فيه إلا ويتنازعه الحنين والشوق إليه ، هي الفطرة المسبوغ فيها بني يعرب أينما حلوا أو حيث رحلوا . وهذا إن دل على شيء إنما يدل على قوة الدين الإسلامي الذي بانتشاره انتشرت هذه اللغة وخرجت إلى الكثير من أصقاع الأرض والذي جعل لغة التفاضل بين البشر هي التقوى وليس العرق واللون . والشعر العربي كان المكون الأساسي لنقل السير والأحداث إضافة إلى الفنون الأخرى ولكن للشعر العربي صبغته الخاصة في اختراق الوجدان والشعور ولتحويل مجرى الحدث السياسي والاقتصادي .وأمام هذا التكاثر والانفتاح القومي الذي أهلته لغتنا الأم للإنسان العربي لأن يؤثر ويتأثر إيجابا لا سلبا في تغيير الإنسان العربي حسب ما تتطلبه الظروف الراهنة . ولكن أن تُزجنا التحديات السياسية التي تكاد تتغلب على أقلامنا وتحولنا إلى دمى بلا عقول ولا مشاعر تحركها البواعث النفسية والاجتماعية التي فرضتها الهيمنة الفكرية على لغتنا ونسجينا الأصيل لنكتب بمشاعر موتورة تبحث عن بصيص فرح يشبعُ هذه الأرواح التي تدور في فراغ أجوف والذي يكاد أن يكون مزيفا في كثير من الأحيان ، دون الرجوع إلى ما هو أقوى من ذلك إلى من يمتلك هذه الروح يمنحها ويقبضها ساعة شاء . هذا ما أعزيه إلى التشتت الفكري والألم العقائدي الذي بتنا نتخبط فيه وما أثمر علينا سوى فوضى في الأدب نتيجة لفوضى النسغ المغذي لهذا الأدب لا لشيء يرتقي بنا كأمة بل إلى مزيد من الضياع . وكأننا لسنا بمبتكرين ولا مجددين ولا حداثيين بل تغلبت علينا فوضى المشاعر فبتنا نسكبها من غير تدليل ونقتل الحاضنة الأولى وهي أرواحنا وكل ظننا بأننا ندرك بها إشباعا ذاتيا ووهما نحن نسجناه فما أحوجنا إلى التفكر والتدبر فيما نطرح ونحاسب أقلامنا قبل أن تجعلنا في أغلال لا ننفك منها وبالتالي نقتل يقينا بلغتنا ونتاجنا وأن نقتدي بالأوائل من أبناء أمتنا الذين مازالوا مشاعل الهداية بكتبهم ونتاجهم الأدبي وبحثهم العلمي لكافة الأمم تطبيقا ومنهجا وسلوكا , وأن نفارق التقليد الأعمى لأمم غربية تفصلنا عنها الديانة والعرف والتقاليد ونحافظ على قوميتنا العربية وهويتنا الأدبية عربية بجوهرها ، هذه القومية التي كان نبضا الأول هو الشعر والنبض الثاني هو القرآن الكريم بكل روحانيتهما بعيدا عن التكلف في ضغط السهل من القول وزج المضغوط في قولبة لا تتسع لهيكله ولا تستطيع أنفاسنا أن تدركه فكيف تستطيع مشاعرنا أن تستوعبه وتتراقص على أنغامه إن هو كان لا يحمل نغما ولا جمالية تأسر العين وتسر الخاطر .

بقلمي / غادة قويدر
 0  0  448
التعليقات ( 0 )