• ×

08:05 صباحًا , الأحد 23 ربيع الثاني 1443 / 28 نوفمبر 2021

محمد بن خلف ابن الشيخ

الصحوة الدينية

محمد بن خلف ابن الشيخ

 1  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تعبيران شائعان في الكتابة السياسية والثقافة العربية المعاصرة، والغالب أنه يراد بتعبير «الصحوة الدينية» الإشارة إلى تزايد التوجه الإسلامي بين الشباب خصوصاً، وبين المنتمين إلى الإسلام عموماً.

والغالب كذلك أنه يراد بتعبير «الوحدة الوطنية» الإشارة إلى الروح التي يجب أن تسود في البلاد ذات المذاهب المتعدد بين أبنائه من التسامح والمودة والتحمل، يتحلى بها كل أبناء الدين الواحد في مواجهة الخطر الذي قد يهدد أمن واستقرار البلاد, ولكن كلاً من التعبيرين يمكن أن يكون ذا دلالة أشمل وأوسع من الدلالة المتعارف عليها في معظم الكتابات المعاصرة.

فمفهوم «الصحوة الدينية» يتسع ليشمل التوجه الحركي أو السياسي للتعبير عن الانتماء الديني، وليشمل التوجه العبادي والتوجه الثقافي والتوجه العلمي والتوجه السلوكي المتصل بالمظهر, أو بالجوهر أو بهما معاً في الوقت نفسه، ومفهوم «الوحدة الوطنية» يتسع ليشمل العلاقات بين أبناء الوطن الواحد من المنتمين لدين واحد، سواء أكانوا يعتنقون مذهباً واحدًا أم مذاهب شتى في إطار الدين نفسه، والعلاقات بين أبناء الوطن الواحد، والجامع الذي يدعو إلى الربط بين هذين التعبيرين أو المفهومين هو أننا في الوطن العربي نشهد - مع تنامي الصحوة الدينية بوجوهها كافة - تآكلاً في بناء الوحدة الوطنية بصورها جميعاً.

وإذا كانت الصحوة الدينية عامل قوة يستحق كل التأييد والإعجاب، فإن هذه القوة لا تكتمل ولا تؤتي ثمارها على مستوى الوطن كله إلا إذا اقترنت بقوة مماثلة في جانب الوحدة الوطنية... فأما حديث تحوّل الصحوة الدينية من عامل قوة - كما يجب دائماً أن تكون - إلى عامل ضعف، فإن له مظاهر عدة نرصد منها:

الفرقة بين أبناء الدين الواحد، وهي ظاهرة تصاحب المظاهر الأخرى للصحوة الدينية، لأن بعض الصحويين يتصفون بالغلظة وقسوة التعامل وهو ما يُنفر البعض من الإعجاب بهم, وهكذا تتحول القوة المتمثلة في التدين والاستمساك بأوامر الدين ونواهيه، إلى ضعف بين أبناء الدين الواحد يجعل قلوبهم شتى، وبأسهم بينهم شديداً، وهو ما يوهن قدرتهم على الإصلاح, وهناك آفة التعصب الضيّق، فالإسلام يجعل المسلم أخاً للمسلم لا يظلمه ولا يسلبه ولا يحقره ولا يخذله، وينهى عن العصبية نهياً شديداً، ويمقت المتصفين بها.

وهذا من أشد عوامل ضعف تأثير الصحوة الدينية المعاصرة، ما ابتلي به كثير من أبنائها بالتعصب الأعمى ضد من لم يشاركهم في تعصبهم، وهذا ما يؤدي إلى تشويه صورة الصحوة وصورة المنتمين إليها ويفقدها حضورها الاجتماعي لدى العامة... ومن نافلة القول إنه ليس هناك شك في أن للمتدين مظهراً وسمتاً يختلفان عن مظهر غير المتدين وسمته، وبعض المتدينين يستكمل كل المظاهر والرسوم التي تطلبتها نصوص أو مأثورات دينية، وبعضهم يكتفي ببعضها من دون بعض، وليس في هذا كله شيء يؤخذ على أصحابه، وليس لأحد أن يلوم أحداً على ما يختاره لنفسه من ملبس أو مظهر.

ولكن الغلو في هذه الأمور يُحدث نفرة وتخوفاً عند العامة, وقديماً قال العز بن عبدالسلام: «كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل», وإذا كانت مخالفة المألوفات الاجتماعية غير لائقة، فإن مخالفة الواجبات أو المحرمات الشرعية غير جائزة، ولكن المسلم يجب أن يضع كل تصرف وكل قول وكل فعل في مكانه الصحيح، فلا يغالي في أهمية شيء على حساب الأشياء الأخرى، ولا يضيع الأهم بسبب حرصه على المهم.

ونحن نفقد الكثير من الجهد والطاقة والوقت في أمور لو لم تناقش أصلاً ما قدمت ولا أخّرت، ولو أنفق بعض هذا الجهد في النافع المفيد لكان عائده أكبر كثيراً وأنفع للدعوة الدينية وللأمة المدعوة... فبعد أن كان يُنظر إلى الإسلام على أنه دين ينتمي إلى العالم الثالث، ولا يشغل بال «صُناع الحضارة أصبح يُنظر إليه الآن على أنه التحدي الحقيقي الوحيد أمام الحضارة الغربية التي اكتسحت منافسها النظام الشيوعي بين عشية وضحاها، في أسرع عملية انهيار فكري وسياسي واجتماعي...

ولم يعد صامداً - في مقابلة الحضارة الغربية - إلا الإسلام الذي يزداد انتشاراً حتى بين الغربيين أنفسهم، من أبنائه، وإذا كان البُعد الفردي التعبدي فرض عين على كل مسلم، فإن البُعد الجماعي الحضاري فرض كفاية على الأمة كلها، ولو أن بعض المال الذي يُنفق على بناء المساجد وتزيينها، أو الذي يُنفق في تكرار فريضة الحج عشرات المرات لآلاف من المسلمين أو الذي ينفق في احتفالات تسمى دينية رسمية وشعبية، لو أن بعض هذا المال خصص لدرس تصورات المشروع الحضاري الإسلامي أو دعم التقنيات الفكرية لأبناء الوطن أو مشاريع يستفيد منها المواطن في بلده وتكون الاستفادة أوسع واشمل وعرض حضارتنا الحقيقية التي كانت تشمل أوروبا، وأظهرنا قوتنا الحقيقية أمام الغرب بأننا مسلمون، وديننا دين يحثنا على العلم والتطور ومواكبة التطورات السريعة للعالم، وانه التحدي الأكبر، محليًا وعالميًا، وما الخطاب الذي يجب أن نوجهه إلى أنفسنا ثم إلى غيرنا، لو فعل ذلك لاختفت مظاهر مرضية كثيرة من تيار الصحوة الدينية، ولحقق المال فوائد أشمل وأبقى مما يحققه إنفاقه في مناشط سبق ذكرها.

فالدين في المجتمع هو عامل بناء النهضة الوطنية والاجتماعية، وإن دور دعاته داخل الوطن ومع أبنائه كافة لا يجوز بحال أن يخرج عن الإطار الذي رسمه الله تبارك وتعالى من دعوة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة.

وإذا كانت الشعوب العربية واجهت الاستعمار وقوته واتحدت قواها وطوائفها أمام هذه القوة حتى أجبرته على مغادرة بلادها ونسيت وقتها الفروق الدينية والمذهبية والفكرية، فهي أولى في الوقت الحالي بأن تتحد لأن الخطر الاستعماري بأنواعه قادم ووقع في بعض البلاد العربية بسبب تفرقها المذهبي أو فشلها السياسي، فإن التعصب بين أهل الأديان المختلفة يذهب ببأس الأمة وشوكتها، ويفقدها في مواجهة عدوها الداخلي والخارجي احترامها ومهابتها.

وهذه العداوة الحادثة بين المسلمين تخالف الأصل الإسلامي في العلاقات الإنسانية، وهو الأصل الذي نطق به القرآن الكريم «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم» وحتى المفكرين والمبدعين وأصحاب الثقافة وأرباب الأقلام أصابهم من الأعراض المرضية ما أصاب سواهم، فأصبحوا فرقاً متنابذة، وشيعاً متنافسة، تغلب عليهم الأنانية وتسوقهم الأثرة، وتفتنهم عن رسالتهم السامية في تنوير الأمة وتثقيفها مغانم قريبة ومطامع تافهة من شهرة أو جاه أو حظوة، ويحول ذلك كله بينهم وبين دورهم الأساسي، ويمنعهم من التفرغ لما ينفع الناس ويمكث في الأرض، وتراهم يلهثون - وهم لا يشعرون - وراء ما يذهب جفاء!

إن انحراف الصحوة الدينية وضعفها، يفقدان الناشئة ثقتهم بأديانهم وأوطانهم معاً، فالفتى أو الفتاة - مع انعدام القدوة الصالحة، والكلمة الطيبة - إذا وقع هذا فإن معناه أن يصبح الوطن كشجرة بلا أغصان، تذبل أوراقها وتتساقط، ويضعف جذعها ويشيخ حتى تموت في مكانها، والمخرج من هذا المصير هو ترشيد الصحوة الدينية، وتقويمها، وتقويتها، كما يجب ترسيخ الوحدة الوطنية بين فئات الوطن المختلفة وبين أبناء الدين الواحد، وترسيخ الوحدة الوطنية بين بني الوطن جميعًا أياً كانت مذاهبهم، وترسيخ الوحدة الوطنية بين ذوي المذاهب الفكرية والثقافية والعلمية مهما تكن أصولهم التي يبنون عملهم عليها، فالكل بالكل يبقى، والواحد المنفرد يشقى أو يفنى!

محمد بن خلف ابن الشيخ

جديد المقالات

Editor

تحدي كورونا

08-27-1441

Editor

التعليم وأثره في التنمية..

11-20-1440

qassime

يتألمون حينما يتلقفون !

01-28-1440

qassime

الذكاء الاصطناعي

10-07-1439

qassime

شياطين الشعر بين الخيال والإبداع

08-07-1439

qassime

الناشئُ الأكبُر: الناقدُ..

08-06-1439

qassime

اسـتـقـلالـيـة الـنّـاقـد

08-06-1439

qassime

السّرقات الشّعريّة في النّقد..

08-06-1439

القوالب التكميلية للمقالات

التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    10-19-1429 01:27 مساءً عبدالاله المطلق :
    دائما مبدع يا اباليزيد فعلا طرح قوي ووضعت النقط على الحروف
    نحن نحتاج الى بيان هذه بكل صراحه وحيادية
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:05 صباحًا الأحد 23 ربيع الثاني 1443 / 28 نوفمبر 2021.