• ×

02:21 مساءً , الثلاثاء 6 جمادي الثاني 1442 / 19 يناير 2021

الحاسة السادسة .. حقيقة أم دجل؟؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
د.منى بنت علي الحمود :- مما يميز حلبة الفلسفة هي سعة الأفق والصدر معا،إن صح مني هذا التعبير مجازا،فلا مكان هناك لنقاشات حادة أو أحادية رأي بتجاهل فيه الرأي الآخر مهما بدى مخالفا.. فهناك الكثير من الأمثلة التي نجدها في مقولات أفلاطون مثلا لا تتفق مع فلسفة معلمه سقراط كذلك الحال مع تلميذه أرسطو.. فلكل فيلسوف جهته التي يصوب منها رماحه نحو الهدف،ومن المباحث المهمة التي كانت هدفا للفلاسفة وقد أشغلت الكثير منهم، وكانوا كثيرا ما يطرحونها للنقاشات والجدل الفلسفي الأنيق، هو موضوع مصادر المعرفة .. فقد اتفق الفلاسفة على ألا يتفقوا على مصادر المعرفة، فمنهم من ذهب إلى أن العقل هو المصدر الأول للمعرفة فكل معرفة إنسانية أساسها العقل،إذا فالعقل بما زود به من أفكار ومفاهيم بديهية فطرية موجودة سابقا في الدماغ لا تحتاج إلى البرهان والاستدلال عليها، هو مصدر المعرفة الأولي والذي يسبق كل تجربة حسية فهذه المفاهيم هي المعرفة الأولية والتجربة هي المعرفة الثانوية.. بل أن الإنسان أصلا لا يقوم بالتجربة الحسية إلا منطلقا من هذه المفاهيم الأولية، وأن المعلومات التي نخلص إليها من أي تجربة لابد أن يكون لها مصدر تستنتج منه وهو العقل (أي الأفكار الفطرية) فالعقل هو المقياس الذي يحكم على صحة المعلومات بموجب ما لديه من معلومات فطرية سابقة، بمعنى لو لم تتفق نتائج التجربة الحسية مع الأفكار البديهية فهي لا تصلح كمعرفة.. كما أن المعرفة عبر الحواس هي غير يقينية لأن الحواس تُخدع وقد يصيبها الاعتلال ولو اعتمدنا عليها فهي بذلك تقدم بيانات ومعلومات تخدع العقل وهذا في إطار المعلومات الاستنتاجية وليس الأفكار البديهية التأسيسية،والسبب في احتمالية صحة هذا المذهب هو أن لدينا الكثير من المفاهيم الأولية التي لم تخضع للتجربة كالأسماء للأشياء والأفعال* فلماذا مثلا نسمي البكاء بكاء ولم نسميه شربا أو نحوه؟!. ومهما يبدو لنا هذا صحيحا،إلا أن هناك سؤالا ملحا هو من أين أتت هذه المفاهيم الفطرية الأولية؟! كما أن الحالات المزاجية التي يمر بها الإنسان قد تقلب معاييره المعرفية فتجعله ينكر ما كان يثبته، ويقبح ما كان يراه جميلا، ويكره ما كان يحبه فكيف يفسر ذلك إذا ما أطلقنا بصحة الأفكار الأولية؟!.. ومن أبرز رواد هذا الاتجاه والذين اهتموا بالدراسات العقلية كالمنطق والتأملات الفلسفية سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، ورينيه ديكارت، اسبينوزا، وإيمانويل كانط رائد المذهب العقلي النقدي في مؤلفة " نقد العقل المحض" والذي ميز بين المعرفة الأولية قبل التجربة وبعدها، وجورج باركلي بمقولته الشهيرة " أن توجد بمعنى أن تدرك".
أما القسم الثاني فقد اتجهوا إلى المنحنى المقابل تماما ومنهم "جون لوك" صاحب مقولة " أن العقل صفحة بيضاء"، و"ديفيد هيوم" الذي كان يرى أن كل ما لدينا من معرفة ما هي إلا مجرد انطباعاتنا الحسية عنها وليست سمات ذاتية في الموجودات. حيث يرى رواد هذا الاتجاه أن التجارب الحسية هي المصدر الأولي للمعرفة، وأنه لا توجد معرفة أو أفكار فطرية أولية مركوزة في العقل سابقة على التجربة، فالعقل خالي من أي معرفة سابقة على التجربة فالحواس هي نوافذ المعرفة فالعين بوابة المرئيات والأذن بوابة المسموعات واليد واللمس بوابة المحسوسات، وليس معنى ذلك انكارهم للعقل بل هم يرون أن العقل هو صاحب القدرة على الوصول إلى معرفة جديدة استنتاجية لكن بعد التجربة. ومهما بدى لنا منطق التجريبيين صحيحا إلا أننا نقف أمام سؤال جوهري هو من أين أتت المعرفة التي دخلت من نوافذ المعرفة الحسية؟!. كما أنه بالتجربة قد يثبت اليوم مالا يثبته غدا ؟!.
وإذا كان الأمر كما ذكرنا، فما الذي يفسر تلك المشاعر التي تتسلل إلى داخل الإنسان وتحمل معها معرفة تقود طريقه وسلوكه نحو الصواب بدون استناد إلى نتائج تجربه أو مقدمات عقلية ؟!!. إنها ملكة أو هبة فطرية، ليست عقلية على الإطلاق، تمكن الإنسان مباشرة من الوصول لمعرفة ما لا يمكن تحصيلها بالمنطق والاستدلالات والبراهين العقلية، أو التجارب الحسية، فهي معرفة لا يمكن منطقتها ولا التدليل عليها.. تقع في قلب الإنسان بدون مقدمات عقلية ولاحيثيات حسية فيقف الحسي والعقلي عاجزا عن تفسيرها،وهي معرفة قائمة على الفيض والاستشراق والكشف،ويتطلب تحصيل هذا النوع من المعرفة التأمل، والمران، ورياضة النفس وكبح جموحها حتى يكون الإنسان مهيأ لنزول المعرفة المباشرة عليه وهذا ما يحدث في الوحي، والإلهام، والحدس، والفراسة، وسرعة البديهة، والتوفيق أو الهداية..*غير أن الحدس والإلهام منبعها من الداخل، أما الوحي فهو من الخارج، كما أن الفراسة وسرعة البديهة قد تكون مبنية على مفاهيم أولية احتياطية يتم استدعاءها تلقائيا .. هذا التوهج والإشراق النفسي يؤهل الإنسان لتلقي المعرفة، وهو اثبات على أمرين: أحدهما *أن الرب (الله) هو مصدر المعرفة، والثاني أن هذه الحالة النفسية الداخلية لتلقي المعرفة هي وسيلة من وسائل المعرفة،ولاشتراك الحدس والعقل في المفاهيم القبلية كان من المهم أن نعقد مقارنة بينهما لتوضيح المفارقات، فالحدس يركز على القلب وليس العقل، من جانب آخر العقل يدرك العلاقات الآنية أما الحدس فيرتبط بالتنبؤات والمستقبليات والماورائيات، كما أن العقل يفهم الأمور القابلة للقياس ويمنطقها أما الحدس فهو مختص بالأمور غير الخاضعة للمقاييس كالشعور، والإحساس ونحوها،وهناك من قسم الحدس إلى مجالات ولكل مجال أسلوبه منها الحدس العقلي وهو الإدراك المباشر وسرعة استدعاء الأفكار أو الربط بين المقدمات ويسمى سرعة البديهة، الحدس التجريبي وهذا يبنى على كثرة المران والممارسة،الحدس الحسي وهو القائم على الإدراك المباشر عن طريق الحواس مثل شم الروائح وإدراكها، والأخير هو الحدس التنبوئي وهو المقصود حقيقة بالحدس فعلا، وعليه فإن الإنسان إذا كان مؤهلا بالاستشراق والكشف أصبح قادرا على ربط المقدمات العقلية جيدا، وقراءة التجارب بوضوح، والشعور بحواسه بكفاءة.
 0  0  413
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:21 مساءً الثلاثاء 6 جمادي الثاني 1442 / 19 يناير 2021.