• ×

12:21 مساءً , الأحد 10 ذو القعدة 1442 / 20 يونيو 2021

الميكروفونات بين بدعة الأمس ووجوبها اليوم

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 المِصْدَح أو الميكروفون أو المِصْوات أو المِهْتاف هو جهاز يعمل على تحويل الصوت إلى طاقة كهربائية. وتنتقل هذه الطاقة مباشرةً عبر أسلاك أو خلال موجات راديو، إلى مستقبل اما بغرض النقل كما في الهاتف أو لتسجيله كما في المسجل أو إخراجه مباشرة إلى مكبرات صوت بغرض اعادة إنتاجه بصورة أعلى كما في قاعات المؤتمرات، ويوصل عادة بمضخم أولي عند استخدامه لتسجيل وإنتاج الأصوات.
اكتشف الميكروفون الكربوني توماس إديسون وإميل برلينر عام 1877م خلال شهرين كل على حداه، ولكن وبعد منازعات قضائية طويلة في المحاكم الأمريكية والبريطانية سُجِّلَت براءة الاختراع باسم توماس إديسون.
واليوم تستخدم المصادح في أنظمة مخاطبة الجمهور، وفي بث العروض التلفازية والإذاعية، وفي تسجيل الصوت للأفلام، وفي طبع الأسطوانات، وفي تسجيلات الكاسيت. وتستخدم المصادح أيضا في الإذاعات الشعبية وإذاعات الهُواة.
وغيرها من الأماكن بغرض توصيل وتضخيم الصوت وإيصاله للمتلقي.
ونقف هنا لحظة , هل سيكون الكلام عن الميكروفون وطريقة عمله ومتى تم اختراعه ؟!!!
في الحقيقة لا , سيكون الكلام حول الجدل الحاصل على الميكروفونات حين وصلت إلينا أول مرة , وإلى يومنا هذا بين بدعيتها بالأمس , وفرضها ووجوبها اليوم .
وذلك بعد منع وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية استخدامها للصلاة خارج محيط المسجد والاكتفاء بالإعلام للآذان والإقامة.
حيث أصدر معالي وزير الشؤون الإسلامية د عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ تعميماً لكافة فروع الوزارة ينص على توجيه منسوبي المساجد بقصر استعمال مكبرات الصوت الخارجية على رفع الآذان والإقامة فقط وألا يتجاوز مستوى ارتفاع الصوت في الأجهزة عن ثلث درجة جهاز مكبر الصوت واتخاذ الإجراء النظامي في من يخالف ذلك.
ويستند تعميم معالي الوزير إلى الأدلة الشرعية منها قول النبي عليه الصلاة والسلام " إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا, ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة" , أو قال في الصلاة. رواه أحمد بسند صحيح وعملاً بالقاعدة الفقهية " لا ضرر ولا ضرار"
ولأن تبليغ صوت الإمام في الصلاة خاص بمن هو داخل المسجد وليس ثمّة حاجة شرعية تدعو لتبليغه لمن في البيوت إضافة لما في قراءة القرآن الكريم في المكبرات الخارجية من الامتهان للقرآن العظيم عندما يقرأ ولا يستمع إليه , كما أنه قد أفتى بعدم استخدام المكبرات الخارجية في غير الآذان والإقامة العلامة الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله والعلامة صالح الفوزان حفظه الله عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للفتوى وغيرهم من أهل العلم.
وهذا القرار لاقى ردود فعل واسعة بين مؤيد وهم الأغلب نظراً للنصوص الشرعية وآراء العلماء وبين معارض وهم قلة.
وعادة كل أمر جديد أول ما يدخل في حياتنا اليومية يكثر حوله الجدل بين مؤيد ومعارض وبين قابل ورافض حتى يصل النقاش إلى الوصول لحكم فقهي وهل هو حلال أم حرام؟
ولعلنا نتذكر الجدل الذي حصل عندما دخلت هذه الأجهزة ( الميكروفونات) المساجد في بادئ الأمر ولاقت اعتراضاً واسعاً من بعض علماء الدين وعامة الناس مما اضطر للشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله أن يخطب خطبة كاملة في صلاة الجمعة عن جواز استخدام الميكروفونات في المساجد , وهي موجودة ومحفوظة لمن أراد الرجوع إليها.
ومما يميزُ علامة القصيم الشيخ ابن سعدي – رحمه الله – علاقته القوية والوطيدة بمجتمعهِ الذي عاش فيه ، ولذا كتب اللهُ له القبولَ في مجتمعهِ ، فأحبوه وبادلهم الشيخ الحب والاحترام ، فكانت كلمتهُ مسموعةً عندهم ، وتعامل معهم بطريقةٍ قدوته فيها نبينا صلى اللهُ عليه وسلم ممتثلاً قوله تعالى : " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ " [ الأحزاب : 21 ] .
يقولُ د. عبد الرحمن العدوي أحد علماء الأزهر عن الشيخ ابن سعدي في مطلع ترجمته للشيخ : " شيخ جليل مهيب ، أخلص للّه في تعليم المسلمين أمور دينهم ، ونشر عقيدة الإسلام وأحكامه بينهم ، وهو من أهالي بلدة عنيزة من أعمال القصيم في شمال نجد عاش فيها حياته وكان فيها مقره الأخير . كنا في عام 1373هـ الموافق 1953م اثنين من علماء الأزهر الشريف مبعوثين للتدريس في المملكة العربية السعودية وكانت إدارة المعارف حينذاك في مكة في مواجهة المسجد الحرام وكان على رئاستها الشيخ محمد بن مانع رحمه اللّه ، وقد رأى أن أسافر مع زميلي الشيخ محمد الجبة للتدريس في المدرسة الثانوية بعنيزة، وسافرنا وبدأنا عملنا في المدرسة التي كان بها فصلان في السنة الأولى فقط ، ولم يمض شهر حتى صدر الأمر الملكي بنقلنا إلى المعاهد العلمية التابعة لآل الشيخ " .ا.هـ.
ثم تحدث د. العدوي عن قصة استعمال " الميكرفون " في الجامع الكبير ، والذي أشار د. عبد الرحمن العدوي على الشيخ ابن سعدي باستعماله فقال : " وكنا نزور الشيخ بين الحين والحين ويكاد يكون لقاؤنا معه يوم الجمعة بانتظام نذهب إلى بيته قبل الصلاة بساعات ونجلس معه ثم ننزل معاً عندما تقرب موعد الصلاة ، وذات لقاء قلت له : يا فضيلة الشيخ ، لماذا لا تستخدم مكبر الصوت ( الميكروفون ) في الخطبة ؟ فإن أكثر الناس لا يسمعون صوتك ولا يستفيدون مما تلقيه عليهم من المواعظ والأحكام ، فابتسم الشيخ وكان له بسمة خفيفة جميلة تنم عن الرضا والسرور وقال : إن مكبر الصوت لم يدخل المساجد في بلاد نجد ولا أحب أن أكون أول من يستخدمه . قلت : ولماذا ؟ ألست الشيخ العلم القدوة إذا لم تفعل أنت ما تراه نافعاً فمن يفعله ؟ أليس في استعماله خير وهو نشر تعاليم الدين وآدابه وإسماع أكبر عدد ممكن بواسطته ؟ والنساء في بيوتهن حول المسجد يستمعن الخطبة عن طريق مكبر الصوت فيكون الخير قد تجاوز حدود المسجد ، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة . ذلك لأنه سيتعرض لجهل الجاهلين ، ونقد الناقدين وسيصيبه من أقوال الناس وإيذائهم واستنكارهم لما لم يألفوه شيء كثير فيكون له من أجل ذلك الأجر الكثير، ثم إنك يا فضيلة الشيخ إذا لم تستخدم مكبر الصوت في خطبة الجمعة فلن يجرؤ أحد على استخدامه من بعدك ، وسيقول الناس : لو كان فيه خير لاستقدمه الشيخ السعدي ، فتكون قد منعت استخدامه مستقبلاً من حيث لا تدري ولا تريد . فاتسعت الابتسامة على شفتي الشيخ وقد استمع لكلامي كله مصغياً ومتأملاً ، وهز رأسه يميناً وشمالاً في هدوء رتيب وقال : ما شاء الله لقد حدثني في ذلك غيرك ، وما شرح الله صدري لذلك مثل ما شرحه الآن ، وأعدك أن يكون في المسجد ( مكبر صوت ) في الجمعة القادمة إن شاء الله ، وبر الشيخ بوعده وأمر بإحضار مكبر للصوت ذي ثلاث سماعات يعمل بواسطة البطارية فلم تكن عنيزة قد عرفت الكهرباء بعد وفرح الناس وتحدثوا عن استماعهم للخطبة في غير جهد ، وحرصت على أن أسمع رأيهم فلم أجد معارضاً وما سمعت إلا كلمات الاستحسان والسرور ، وذهبت إلى الشيخ في بيته لأنقل إليه استحسان الناس وسرورهم فإذا به ينقل إلى بشرى سارة مؤداها أن الشيخ عبد الله السليمان كان يصلي هذه الجمعة في مسجد عنيزة وقد أعجبه أن يكون في المسجد مكبر للصوت فقابل الشيخ بعد الصلاة وأبلغه أنه تبرع .. بماكينة كهرباء للمسجد تضئ خمسين لمبة ( مصباحاً كهربائياً ) ويشتغل عليها مكبر الصوت . فقلت : الحمد لله . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " .ا.هـ.
ويذكر الدكتور عبدالله الغذامي في كتابه ( الفقيه الفضائي ) ص13 ذكر أحد الرواة المؤرخين قصة الشيخ النقشبندي مع مكبرات الصوت حين تم تركيبها في الحرم المكي في الثلاثينات من القرن الماضي, وذلك أمر تهوّل منه الناس وعلى رأسهم ذلك الشيخ الغيور على بيت الله وقبلة المسلمين , ولم يقل الشيخ بحرمة الميكروفونات فحسب بل راح يرشقها بالحجارة من على رؤوس الجدران ليحطم أصوات إبليس , وصراخ الشياطين , ولمّا أعجزه إنكار المنكر بيده قرر الهجرة إلى مدينة الطائف بعيداً عن مكة بعشرات الكيلو مترات هرباً من الموبقات ومن تغير الزمان.
ولم تقف القصة عند هذا الحد بل ذهب نفر من المشائخ إلى مجلس الملك عبدالعزيز بن سعود رحمه الله وفتحوا معه أمر هذه القضية التي رأوها بدعة خطرة ومفتاحاً لشر عظيم , ودار نقاش طويل حسمه الملك بعد تمعّنه بجواب طرحه الشيخ محمد المانع رحمه الله حيث لاحظ أن أحد المعترضين كان يلبس نظارة على عينيه ووجد ذلك مدخلاً للقياس حيث سأل صاحب النظارة لم يلبس نظارته هذه...؟
فرد صاحب النظارة قائلاً إن النظارة تكبر الحروف وليست وسيلة شيطانية , فرد عليه الشيخ المانع قائلاً والميكروفون ياشيخ يكبر الصوت, فضرب الملك بيده على جناح كرسيه , وقال لقد حسم الأمر وانتهى النقاش لصالح تلك الوسيلة الجديدة ولم تعد بدعة بعد ذلك .ا.ه
لم تدخل الميكروفونات بسهولة وسلاسة إلى المساجد , إنما واجهت حرباً في بدايتها حتى أقرها العلماء , ولن يستوعب منع استخدامها إلا على قدر الحاجة غير العلماء , ففي اتباعهم بعد نظرهم للأدلة الشرعية , توفيق من الله تعالى وتسهيل وتحسين لحياة الناس .
إبراهيم بن عبدالله الدخيل

وأمر بإحضار مكبر للصوت ذي ثلاث سماعات يعمل بواسطة البطارية فلم تكن عنيزة قد عرفت الكهرباء بعد وفرح الناس وتحدثوا عن استماعهم للخطبة في غير جهد ، وحرصت على أن أسمع رأيهم فلم أجد معارضاً وما سمعت إلا كلمات الاستحسان والسرور ، وذهبت إلى الشيخ في بيته لأنقل إليه استحسان الناس وسرورهم فإذا به ينقل إلى بشرى سارة مؤداها أن الشيخ عبد الله السليمان كان يصلي هذه الجمعة في مسجد عنيزة وقد أعجبه أن يكون في المسجد مكبر للصوت فقابل الشيخ بعد الصلاة وأبلغه أنه تبرع .. بماكينة كهرباء للمسجد تضئ خمسين لمبة ( مصباحاً كهربائياً ) ويشتغل عليها مكبر الصوت . فقلت : الحمد لله . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " .ا.هـ.
ويذكر الدكتور عبدالله الغذامي في كتابه ( الفقيه الفضائي ) ص13 ذكر أحد الرواة المؤرخين قصة الشيخ النقشبندي مع مكبرات الصوت حين تم تركيبها في الحرم المكي في الثلاثينات من القرن الماضي, وذلك أمر تهوّل منه الناس وعلى رأسهم ذلك الشيخ الغيور على بيت الله وقبلة المسلمين , ولم يقل الشيخ بحرمة الميكروفونات فحسب بل راح يرشقها بالحجارة من على رؤوس الجدران ليحطم أصوات إبليس , وصراخ الشياطين , ولمّا أعجزه إنكار المنكر بيده قرر الهجرة إلى مدينة الطائف بعيداً عن مكة بعشرات الكيلو مترات هرباً من الموبقات ومن تغير الزمان.
ولم تقف القصة عند هذا الحد بل ذهب نفر من المشائخ إلى مجلس الملك عبدالعزيز بن سعود رحمه الله وفتحوا معه أمر هذه القضية التي رأوها بدعة خطرة ومفتاحاً لشر عظيم , ودار نقاش طويل حسمه الملك بعد تمعّنه بجواب طرحه الشيخ محمد المانع رحمه الله حيث لاحظ أن أحد المعترضين كان يلبس نظارة على عينيه ووجد ذلك مدخلاً للقياس حيث سأل صاحب النظارة لم يلبس نظارته هذه...؟
فرد صاحب النظارة قائلاً إن النظارة تكبر الحروف وليست وسيلة شيطانية , فرد عليه الشيخ المانع قائلاً والميكروفون ياشيخ يكبر الصوت, فضرب الملك بيده على جناح كرسيه , وقال لقد حسم الأمر وانتهى النقاش لصالح تلك الوسيلة الجديدة ولم تعد بدعة بعد ذلك .ا.ه
لم تدخل الميكروفونات بسهولة وسلاسة إلى المساجد , إنما واجهت حرباً في بدايتها حتى أقرها العلماء , ولن يستوعب منع استخدامها إلا على قدر الحاجة غير العلماء , ففي اتباعهم بعد نظرهم للأدلة الشرعية , توفيق من الله تعالى وتسهيل وتحسين لحياة الناس .
إبراهيم بن عبدالله الدخيل
 0  0  601
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:21 مساءً الأحد 10 ذو القعدة 1442 / 20 يونيو 2021.